دراسات إسلامية

 

العلمية الجراحية البلاستيكية من منظور الفقه الإسلامي

بقلم: الأستاذ أشرف عباس القاسمي(*)

 

 

التوطئة:

     خلق بارئ الكون الإنسان في أحسن قالب: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِيْ أحْسَنِ تَقْوِيْمٍ»(1) وجعل هذه الأعجوبة الإلٰهية أحسن الأزاهير في نضرة الكون وروائه. «خَلَقَ السمٰوٰتِ والْأَرْضَ بِالْحَقِ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُم»(2). كما أنه أودعه الولوع بالتزين والتجمل وحثه عليه. فقال تعالى: «يَابَنِيْ آدَمَ خُذُوْا زِيْنَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوْا وَاشْرَبُوْا وَلاَ تُسْرِفُوْا»(3).

     ثم ابتكرت قرائح الإنسان المتحمسة للعمل، والراغبة في التقدم والازدهار طرائقَ شتى جديدةً للتزين والتجمل، كما أنها بذلت المساعي بأنواعها في وسائل الحياة الأخرى، وأعربت عن جوهرة مواهبها في الإيجاد والإنشاء. ومن تلك الوسائل الحديثة عملية جراحة التجميل لدفع الأمراض والعيوب.

     إن دين الإسلام يمتاز بميزة القصد والوسط في الأمور كلها، يسمح للمرء في باب التحلي والتجمل بإسعاف أهوائه، ومشاعره الطبيعية إلى حد محدود. فقد خطب النبي – صلى الله عليه وسلم - بين أيدي الصحابة رضوان الله عليهم وهو ينذرهم العاقبة الخطيرة للكبر والتبختر، فقال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إنّ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنةً. قال: إنّ الله جميل، يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغمطُ الناس»(4). ولكن الإسلام يكره الغلو والإفراط، بحيث تُهدر الحدود الخلقية، ويقع الإنسان في هوّة البذر والإسراف. ففي عملية التجميل أيضًا أكّد أن يسلك الطريق السويّ.

معنى «عملية التجميل» أو «العملية الجراحية البلاستيكية»:

     وقد يتبادر من لفظ «بلاستيك» أن المراد به البلاستك الأصلي أي الكيمياوي، وليس كذلك: فإن لفظ «بلاستيك» هذا مُقْتَبَس من كلمة يونانية "plosticko"، ويعني بذلك التحسين والتعديل. وأما الجراحة، فهي طريقة معروفة للمعالجة، التي يداوي فيها الأطباء من خلال اليد والأدوات(5).

     فالمراد بجراحة التجميل ما تعالج وتتحسن به أطراف الجسم الضائعة، التي أصابتها الجروح أو العيوب، التي تسببت في قبح الشكل والصورة. ولا فرق بين أن تكون طبيعيةً أو حادثةً فيما بعد، ويمتد إطار هذه العملية إلى بدن الإنسان كله، بحيث يستمد بها في إصلاح كل عيب عضوي، - ظاهري أو داخلي وكانت هذه الجراحة توجد في الزمن الغابر أيضاً، حتى لم تخل منها عصور فراعنة مصر، ونرى أثرها في العرب أيضًا بشكل من الأشكال. ورغم كل ذلك لم تشكِّل فنًا مستقلاً، ولم تُعَدَّ علمًا ثابتًا، إلا منذ بداية الحرب العالمية الأولى. ولم تنشب أن اتخذت لنفسها سمةً فزةً ووصمةً فريدةً.

المنطلقات والأحكام الشرعية:

     وفي باب التجمل والتحلي، يرشدنا كتابُ الله العزيز، وسنةُ رسوله الحبيب – صلى الله عليه وسلم - والقواعد الفقهية، واستنباطات المجتهدين المستمدَّة منهما، إلى الضوابط والمنطلقات الآتية:

     1- التداوي في الشرع لايجوز فحسب؛ بل ربما يستحب ويجب إذا ما دعت إليه الضرورة. فقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم - وهو يحث على التداوي: «تداووا؛ فإن الله عز وجل لم يضع داءً إلا وضع له دواءً غير داءٍ واحدٍ: الهرم»(6).

     وقد هدى النبي – صلى الله عليه وسلم - إلى أنواعٍ شتيتةٍ من العلاج من الكي والحجامة وما إلى ذلك، والعلاج قد يكون في داخل الجسم، كما يكون في ظاهره. وإنما العلاج يهدف إلى إبعاد الأذى؛ سواء كان يخص الجسم، كالحمّى والوجع والحرقة وغيرها، أوما يتعلق بما ينزعج به فكرًا وسلوكاً، ويصاب به بالضغط النفسي والشعور بالنقص. واعتُبرت هذه التكاليفُ النفسيةُ أيضًا أذىً. وهذا مما يدل عليه بعض الأحاديث النبوية.

     فقد سرد الحديث فيما رواه الشيخان البخاري ومسلم قصةً لثلاثة أشخاص من بني إسرائيل أعمى وأصلع وأبرص وبرئهم من هذه الأدواء. ومن الطبيعي أنه ما كانت الكُلفةُ بالأبرص والأصلع مردهما الجسم، إلا أنهما كانا يعانيان من الأذى النفسي والشعور بالنقص، كما أن العمى كذلك وإن كان يقاسي بعض الشدائد البدنية لا يلازم أذىً جسمانيًا، يقلقه ويسهفه، بل معظم تكاليفه أيضًا مما يرجع إلى النفس «وجاء في قتادة رضي الله عنه أنه قال: كنْتُ يوم أحد أتقى السهام بوجهي عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان آخرها سهمًا ندرت منه حدقتي فأخذتها بيدي، وقلت: يا رسول الله إن لي امرأة أحبها وأخشى أن تراني تقذرني قال له صلى الله عليه وسلم: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها ودعوت الله تعالى لك. فقال: يا رسول الله إن الجنة لجزاء جزيل، وعطاء جليل، وإني مغرم بحب النساء، وأخاف أن يقلن أعور فلا يردني، ولكن تردّها وتسأل الله تعالى لي الجنة، فردّها ودعا لي بالجنة»(7).

     وقد ذكره ابن سعد في طبقاته فقال: «إن عين قتادة أصيبت، فسالت على خده، فردها رسول الله – صلى الله عليه وسلم - بيده. فكانت أصح عينيه وأحسنهما(8).

     وهذه الرواية مما يدل دلالةً واضحةً على أن النبي عليه الصلاة والسلام اعتبر الأذى النفساني أيضًا إلى جانب اعتباره الضرر في الجسم. يقول محمد بن عمر الرازي: إن الأذى النفساني من الأضرار، التي تتطلب القواعدُ الفقهية إزالتها وإزاحتها، وهو يُطرُّ باحثا في ماهية الضرر: الضرر ألم القلب، لأن الضرب يسمى ضررًا، وتفويت منفعة الإنسان يسمّى إضرارًا، والشتم والاستخفاف يسمّى ضررًا(9).

     2- لابد للمرء أن يحمد الله على ما أنعم به عليه من التقويم الأحسن والعقل الصحيح وقوة النطق والفهم والتفكر والتدبر، ويقدرَ هذه النعم الغير العادية. فلو غيّر أحد هذه الصور الطبيعية بدون حاجةٍ، فما هو إلا كفران النعم الإلٰهية، وإصابته بنهب الشيطان. فقد عُدَّت هذه العمليات من أعمال الشيطان، وذُمت وأُمر بالبعد والحذر منها. قال تعالى: ﴿وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا(10). وما هو فحوى الخلق في الآية الكريمة؟ تباينت آراء المفسرين فيه؛ فأراد عبد الله بن عباس وإبراهيم النخعي وحسن البصري وقتادة وغيرهم بخلق الله الدين(11) ورجّحه أبو جعفر الطبري(12). ويرى الحافظ بن الكثير أيضًا هذا(13). ففي ضوء هذا التفسير معنى تغيير الخلق التغيير في الدين. يعنى أن يبدل الوضع الإلهي في الدين، بحيث يحلّ ما حرَّم، ويحرِّم ما أحلَّ، فهو ثمرة للاختلاس الشيطاني.

     وقد فُسر تغييرُ الخلق بالتغيير الجسماني أيضًا، يعنى أن يبدّل الهيئة، التي خلق الله الإنسان فيها. فجعل حسن البصري - رحمه الله - وصلَ شعر أحدٍ بشعر آخر، والوشم وغير ذلك فحواه. وفسر الإمام فخر الدين الرازي حكاية عن أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالحٍ، بأن معنى تغيير خلق الله هنا هو الإخصاء وقطع الآذان وفقءُ العيون. ولهذا كان أنس رضي الله عنه يكره إخصاء الغنم(14) ومما يدل دلالةً واصحةً على أن الآية تحتوي على التغيير الجسماني قولُه عليه السلام : «لعن الله الواشمات، والمُسْتَوْشِمَات، والمُتَنَمِّصات، والمُتَفَلِّجات للحسن، والمُغِيْرَاتِ خَلْقَ اللهِ تعالى »(15). ذكر رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الشريف ثلاث صور للتغيير الجسماني صلة الشعر ووشم الجسم وتفليج الأسنان ثم جعلهن مغيراتِ خلقِ الله. فلاح منه أن التغيير الجسماني كذٰلك تشمله هذه اللعنة.

     3- إن نطاق التغيير في الوضع الطبيعي من الله سبحانه وتعالى واسع. ولا يُعتقد من التفسير الثاني للآية الكريمة أن الشرع ينهى عن كل تغيير. فإنه يؤدي إلى صعوبة عظيمةٍ ومشقةٍ مضنيةٍ، بل يبدو لنا بعد دراسةٍ عميقةٍ لتعاليم الإسلام في هذا الخصوص أن التغيير يتغير أحكامه بتبدل الأوضاع والأحوال. فيسعنا أن نقول: إن هناك ثلاثة أنواع من التغيير أساسًا: 1.المستحسن، 2. الجائز، 3. غير الجائز.

     أ: التغير المستحسن: نحن نرى صبيًّا يولد وهو غير مختون، لكن جُعل ختانه واجبًا أو سنةً. وكذلك انظر إلى ما يأتي في الحديث الشريف، عن عائشة قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: عشرٌ من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء(16).

     ومن الطبيعي أن قص الشارب والأظفار وحلق العانة ونتف الإبط؛ إن هي إلا من باب التغيير، ولكنها استُحْسِنَتْ وعُدت من سنن الأنبياء عليهم السلام-.

     ب: التبديل الجائز: لا يحرم التغيير الذي يهدف إلى تحصيل النفع المشروع. وله نظائر في الشرع. فقد سُمح بإشعار البدن. عن عائشة قالت: فتلت قلائد هدي النبي – صلى الله عليه وسلم - ثم أشعرها وقلدها أو قالت: قلّدتها، ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيءٌ كان له حلٌ(17).

     والإشعار عبارةٌ من أن يوسم الحيوان سمةً يعرف بها. يقول هشام بن زيد: دخلنا على رسول الله – صلى الله عليه وسلم - مربدًا وهو يسم غنمًا. قال: أحسبه قال: في آذانها»(18). والظاهر أنه من جملة التغييرات الجسمانية. وبجانب ذلك يجوز إخصاء الحيوان عند الجمهور، لما كان من الأهداف الهامة من الحيوان، الذي أحلّه الله تعالى؛ أكلُ لحمه أيضًا. وما أُخْصِيَ من الحيوان يسمن ويلحم ويزداد اللحم طعمًا ولذةً. فما لقيت وجهة نظر أنس رضي الله عنه في عدم جواز الإخصاء، من القبول فيما بين أمة الإسلام.

     ومما تجدر مراعاته هنا أن المراد بخلق الله هنا، هو الهيئة المعهودة في الإنسان. كالإصبع، فإن المعهود في الإنسان أن يكون خمسًا. وإن كان لأحد ست أصابيع، لايعد من تغيير الخلق إذا فصلت السادسة بالجراحة. يقول الشيخ خليل أحمد السهارنفوري رحمه الله : فإن الظاهر أن المراد بتغيير خلق الله ما خلق الله سبحانه وتعالى عليه حيوانًا من صورته المعتادة، لا يغير فيها، لا أن ما خلق على خلاف العادة، مثلاً كاللحية للنساء أو العضو الزائد، فليس تغييره تغيير خلق الله(19).

     وفي رواية أن امرأة ابن أبي الصقر كانت عند عائشة، فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين! إن في وجهي شعرات، أفأنتفهن، أتزين بذلك لزوجي؟ فقالت عائشة: أميطي عنك الأذى، وتصنعي لزوجك كما تصنعين للزيارة، وإذا أمرك فلتطيعيه، وإذا أقسم عليك فأبريه، ولا تأذني في بيته لمن يكره(20).

     ومن التغييرات المسموح بها ثقب النساء آذانهن للتحلي. وغير خافٍ أنه ليس بتغيير خلق الله، بل ثبت جوازه من زمن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يقول ابن عابدين الشامي: لا بأس بكيّ البهائم للعلامة، وثقب أذن الطفل من البنات، لأنهم كانوا يفعلونه في زمن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - من غير إنكار(21).

     ج: التغييرات المحظورة: 1. لا يجوز في الجسم التغيير الذي لا يستهدف إلا التزيي بالزي، وإكثار الحسن، وإبداء الجمال. فإن النبي – صلى الله عليه وسلم - قيده بـ«للحسن» في حديث اللعنة على الواشمة، فقال الإمام يحيى بن شرف النووي شرحًا لهذا الحديث: «فيه إشارةٌ إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن. أما لو احتاجت إليه لعلاجٍ أو عيبٍ في السن ونحوه فلا بأس به(22).

     ويقول العلامة بدرالدين العيني: قوله «للحسن» اللام فيه للتعليل، احترازًا عما لوكان للمعالجة ومثلها(23).

     وهكذا شرحه عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - فقال: لعنت الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة في غير داءٍ(24).

     2. ولا يؤذن للتغيير الذي يراد به خدعة الناس وطي الصدق. فنهى النبي – صلى الله عليه وسلم - المرء أن يصل شعر غيره بشعره. فإنه يخدع من يراه لما يظن كثافته، كما أنه عليه السلام نهى عن تفليج الأسنان والفصل اليسير بينهما، لما يؤدي إلى اغتراء الناس به في وصفها الأصلي. وكذا أكد على النهي عن الخضاب بالسواد. فعن جابر قال: أُتِيَ بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا. فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - غيّروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد(25).

     يقول الخطابيّ في الحديث المعني بصلة الشعر: «فأما القرامل فقد رخص فيها أهلُ العلم، وذلك أن الفرور لا يقع بها، لأن من نظر إليها، لم يشك في أن ذلك مستعار(26). «القرامل» جمع قرمل، نبات ذو أغصان لينة طويلة، والمراد ههنا الخطوط الحريرية، أو الصوفية، وهذه هي وجهة نظر للإمام أحمد والليث بن سعد، كما أن أبا عبيدة نقل مثل ذلك عن كثير من الفقهاء(27) ولم يخالفه رأي العلامة ابن قدامة، فقال: الظاهر أن المحرَّم إنما هو وصل الشعر بالشعر لما فيه من التدليس(28). ويقول ابن عابدين الشامي: ووصل الشعر بشعر الآدمي حرامٌ، سواء كان شعرها أو شعر غيرها لما فيه من التزوير(29).

     3. لا يجوز التجمل الذي يسبب التشبهَ بالجنس الآخر أو الفجار والفساق مثلاً أن يُرى المرءُ مرأةً أو بالعكس. وقد رُوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: إنه لعن المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء(30). وكذا كان حلق بعض الرأس وترك البعض رائجًا في الجاهلية، يقال له القزع وعنه أيضًا نهى عليه السلام : عن ابن عمر أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - نهى عن القزع، قال: قلت لنافع: وما القزع؟ قال: يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعض(31). ويقول ابن عابدين الشامي: «وفي التاتارخانية عن المضمرات: ولا بأس بأخذ الحاجبين وشعر وجهه مالم يشبه المخنث(32). ويطّر ابن البزار الكردري: ولا بأس بثقب أذن البنات وحلق رأسها لوجعٍ، لايكره، وإن تشبّهًا بالرجل تحرم(33).

     4. من القواعد الشرعية المطّردة دفع الحرج، ومراعاة الحوائج الإنسانية. فقال تعالى: «مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدينِ مِن حَرَجٍ»(34). والطبيعة نفسها تتحكم في الدين كله بأن يدفع الضرر الواقعي. فقد اتخذ الفقهاء قاعدةً نظرًا إلى أحكام القرآن والأحاديث النبوية ومذاق الشرع وطبعه «أن الضرورات تبيح المحظورات». فقال ابن نجيم في «الأشباه والنظائر»: «الضرورات تبيح المحظورات» ومن ثم جاز أكل الميتة عند المخمصة، وإساغة اللقمة بالخمر والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه(35). وعلق عليه العلامة الحموي: «وكذا التداوي، قال التمرتاشي في شرح الجامع الصغير نقلاً عن التهذيب: يجوز للعليل أكل الميتة وشرب الدم والبول إذا أخبره طبيبٌ مسلمٌ أن شفاءَه فيه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه»(36).

     وقال العلامة ابن نجيم وهو يعرّف الحاجة والضرورة، ويذكر مراتبها: «هاهنا خمس مراتب: 1.ضرورة، 2. حاجة، 3. منفعة، 4.زينة، 5.فضول. فالضرورة بلوغه حدًا، إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب وهذا يُبيح تناولَ الحرام. والحاجة: كالجائع، لو لم يجد ما يأكله لم يهلك غير أنه يكون في جهدٍ ومشقةٍ. وهذا لايبيح الحرامَ ويبيح الصومَ في الفطر. والمنفعة: كالذي يشتهي خبز البر ولحم الغنم والطعام الدسم. والزينة: كالمشتهي بحلوى وسكر. والفضول: هو التوسع بأكل الحرام والشبهة(37).

     وقد تنزل الحاجة منزل الضرورة، فقال ابن نجيم: «الحاجة تنزل منزل الضرورة عامةً كانت أو خاصةً، ولهذا جوّزت الإجارة على خلاف القياس للحاجة. ومن ذلك جواز السلم، ومنها جواز الاستصناع للحاجة(38).

     5. إن عملية جراحة التجميل إنما يلجأ إليها في التغييرات الثابتة في الأبدان، سواء كانت تهدف إلى علاجها، أو تستهدف تجميلها وتحليتها، وفي هذه العملية يؤخذ اللحم أو الجرم من موضعٍ من البدن الإنساني، ثم يركّب في موضعٍ آخر منه. فإن الجسم الإنساني يوافق ويلائم جزءَ نفسه، بالنسبة إلى جزء غيره. الحاصل أن هذه العملية فيها أمران: الجراحة واستخدام جزءٍ من الجسم في جزءٍ آخر منه.

     أما الجراحة، فأجمع العلماء والفقهاء على جوازها مالم تكن مهلكةً للنفس، أو لم تكن أضر من نفعها. ففي الفتاوى العالمكيرية المعروف بـ«الفتاوى الهنديّة»: «لابأس بقطع اليدين من الآكلة وشق البطن...، إذا أراد الرجل أن يقطع إصبعًا زائدة أو شيئًا آخر، قال نصير: إن كان الغالب على من قطع مثل ذلك، الهلاكَ، فإنه لا يفعل، وإن كان الغالب هو النجاة، فهو في سعة من ذلك... ولا بأس بشق المثانة إذا كانت فيها حصاةٌ، وفي الكيسانيات: في الجراحات المخوفة والفروج العظيمة والحصاة الواقعة في المثانة ونحوها، إن قيل: قد ينجو وقد يموت، أو ينجو ولايموت، يُعالج. وإن قيل: لاينجو أصلاً، لايداوي، بل يترك، كذا في الظهيرية(39).

     وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم - بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا، فقطع منه عرقًا، ثم كواه عليه(40) ففي هذه الواقعة لم ينكر رسول الله – صلى الله عليه وسلم - على الطبيب ما فعل لما علم أنه لا بأس بقطع جزءٍ من الجسم علاجاً ومداواةً.

     أما استخدام المرء عضوَ نفسه، فهو أيضا يجوز، لما أن جواز ذلك وعدمه يعودان إلى الأمرين الشرف الإنساني وطهارة العضو المقطوع منه وعدمها أما الشرف الإنساني: فلأن تركيب عضو إنسانٍ بجسم إنسانٍ آخر، واستخدامه يهتك الحرمة الإنسانية، وهو غير مسموحٍ به. ففي بدائع الصنائع: «والآدمي بجميع أجزائه محترمٌ مكرمٌ وليس من الكرامة والاحترام ابتذاله بالبيع والشراء(41).

     إلا أن استخدامه في جسم نفسه لا يورث هتك الحرمة الإنسانية. كما يقول صاحب البدائع: ولا إهانة في استعمال جزءٍ منه»(42).

     وأما طهارة العضو المقطوع وعدمها، فهو نجس نظرًا إلى المنطلقات الشرعية كافةً، ولكن الأصل الذي ذكر في الأشباه والسراج، يصرح بعدم طهارته في حق إنسانٍ آخر، لا لجسم نفسه، كما يقول العلامة علاء الدين الحصكفي: «وفي الأشباه، المنفصل من الحر كميتة إلا في حق صاحبه، فطاهر وإن كثر»(43) وفي السراج: الأذن المقطوعة والسن المقطوعة طاهرتان في حق صاحبها، وإن كانتا أكثر من الدراهم»(44).

     فهذا الأصل يدل على أن الجزء المفصول من بدن إنسان يجوز تركيبه ببدنه بدون كراهةٍ ما.

     ومما يدل دلالةً صريحةً على جواز استعمال عضو صاحبه واقعةُ قتادة نفسه التي سبق ذكرُها، حيث ذكر فيها أن عينه كانت سالت على خده، فدعا النبي – صلى الله عليه وسلم - بعد أن وضعها في موضعها حتى صحت.

     وقد صرّح العلامة ابن عابدين الشامي نقلاً عن المقدسي: أن من المطرد أن الحياة تعود إلى الجزء المفصول، الذي رُكّب وضُمّر، ويصير كأنه لم يبن فهو لايزال طاهرًا بعدُ كما كان طاهرًا قبلُ(45).

     فعلم من هذا البسط أن جراحة التجميل عملٌ مباحٌ بالنسبة إلى أصلها، وحكمها يرجع إلى هدفها. فإن هُدف بها إلى العلاج، فجائزٌ، وإن استهدف تغيير خلق الله فليس بجائزٍ.

     فذلكة هذًا المبحث المبدئي:

     1- المداواة في الدين ليست بجائزة فحسب، بل قد تكون مستحبةً، وقد تكون واجبةً بحسب الضرورة.

     2- فلو جرح للإبقاء على النفس الإنساني، أو لإبعاد الأذى الغير العادي عنه، فهو يشكل العلاج المشروع الذي هو مسموح به في الشرع.

     3- ولو أجريت الجراحةُ لإفناء عيب، يؤذي إيذاءً روحانيًا، دون إيذاءٍ جسماني ملموسٍ، فالظاهر كونُه مسموحًا به شرعًا.

     4- لايجوز إجراء هذه العملية للتدليس والتزوير والنشبه بالجنس الآخر.

     5- لايؤذن في زيادة الحسن والجمال بمثل هذه الجراحة المستمرة، إلا أنه لابأس بالاكتحال وتجمل النساء لأزواجهن، وكذلك التغيير الذي يتم إجراؤه بصورة موقتة بالأشياء التي لا تدوم ولاتبقى، بل تزول وتفنى؛ فإنه ليس مما نبحث عنه. «فأما ما لايكون باقيًا كالكحل والتزين به للنساء، فقد أجاز العلماء مالك وغيره-»(46).

*  *  *

الهوامش:

(1)        التين:4.

(2)        التغابن:3.

(3)        الأعراف:31.

(4)        الصحيح لمسلم، ج:1، ص:65، باب تحريم الكبر وبيانه، رواية عن عبد الله بن مسعود.

(5)        دائرة المعارف الأردية تحت إدارة فضل الرحمن، 2/422.

(6)        سنن أبي داؤد، كتاب الطب، باب الرجل يتداوى، الحديث، رقم:3855.

(7)        السيرة الحلبية 2/342، دار الكتب العلمية.

(8)        طبقات ابن سعد، 1/125.

(9)        المحصول في علم الأصول، 7/143.

(10)     سورة النساء:119.

(11)     البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي:3/353.

(12)     تفسير الطبري: 2/560-561.

(13)     تفسير ابن الكثير: 1/678.

(14)     مفاتيح الغيب، 5/453.

(15)     صحيح البخاري، كتاب اللباس، رقم الحديث:5943.

(16)     الصحيح لمسلم، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة.

(17)     الصحيح للبخاري، كتاب المناسك، باب إشعار البدن:1696.

(18)     الصحيح لمسلم، باب جواز وسم الحيوان غير الآدمي غير الوجه: 5678.

(19)     بذل المجهود، 5/72-73، كتاب الترجل.

(20)     المصنف لعبد الرزاق، التحقيق والتخريج: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي بيروت، 3: 146، رقم: 1983.

(21)     رد المحتار، 9/558 كتاب الحظر والإباحة، فصلٌ في البيع، مكتبة زكريا ديوبند، الهند.

(22)     شرح النووي، 14/107).

(23)     عمدة القارئ، 15/114، باب الوصل في الشعر.

(24)     سنن أبي داؤد، كتاب الترجل: 4170.

(25)     سنن النسائي، باب النهي عن الخضاب بالسواد: 5079.

(26)     معالم السنن، 4/194، كتاب الترجل، باب صلة الشعر.

(27)     فتح الباري، 10/435، باب الوصل بالشعر.

(28)     المغني 1/130.

(29)     رد المحتار 9/535، كتاب الحظر والإباحة، مكتبة زكريا ديوبند، الهند.

(30)     أبوداؤد مع بذل المجهود، 16/426.

(31)     مسلم، باب كراهية القزع: 5681.

(32)     ردالمحتار، 9/583، كتاب الحظر والاباحة، مكتبة زكريا ديوبند، الهند.

(33)     بزازية على هامش الهداية: 6/371.

(34)     الحج:78.

(35)     الأشباه والنظائر، القاعدة الخامسة، 1/107.

(36)     المصدر السابق.

(37)     هامش الأشباه، القاعدة الخامسة، 1/107.

(38)     الأشباه لإبن نجيم، 1/114.

(39)     الفتاوى الهنديّه، كتاب الكراهية، 5/360.

(40)     الصحيح لمسلم، 4/21.

(41)     بدائع الصنائع: 4/338.

(42)     بدائع، 5/132.

(43)     الدر المختار: 1/361، كتاب الطهارة، باب المياه، مكتبة زكريا ديوبند، الهند.

(44)     هامش رد المحتار:1/361 كتاب الطهارة، باب المياه، مكتبة زكريا ديوبند، الهند.

(45)     رد المحتار، 1/361،كتاب الطهارة، باب المياه، مكتبة زكريا ديوبند، الهند.

(46)     الجامع لأحكام القرآن، 5/393، نيل الأوطار 6/217.



(*)    أستاذ بالجامعة.muf.ashraf@yahoo.com

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، رمضان – شوال 1435 هـ = يونيو – أغسطس 2014م ، العدد : 9-10 ، السنة : 38